النويري
101
نهاية الأرب في فنون الأدب
يحيى بن زياد صاحب البريد بالخبر إلى هارون الرشيد . فقرأ الكتاب على أصحابه ، وقال لهرثمة بن أعين : « أنت قريب العهد » . فقال : « يا أمير المؤمنين ، قد سألتني في مقدمى منها عن طاعة أهلها ، وأخبرتك أنه ليس بها أحد أفضل طاعة ولا أبعد صيتا ولا أرضى عند الناس من إبراهيم . ثم صدق قولي قيامه بطاعتك » . فأمر الرشيد بكتابة عهده على إفريقية « 1 » . فلما وصل إليه العهد ، أرسل إلى ابن العكى : « أقم ما شئت حتى تتجهز » . فأقام أياما ثم رحل إلى طرابلس . فوافاه حماد السعودي بكتابين قدم بهما إلى إفريقية على العادة . فافترى ابن العكى كتابا ثالثا بعزل إبراهيم وولايته وبعث به إلى القيروان . فلما قرئ على الناس قالوا لإبراهيم : « أقم بمكانك « 2 » واكتب إلى أمير المؤمنين ، فإن ابن العكى اختلق هذا زورا ، ولم يكافئك على نصرتك له وحقنك دمه » . فقال : « واللَّه لقد ظننت ظنكم وإنما اجترأ ابن العكى على الثغر لموضعه من جعفر بن يحيى » . ثم عسكر إبراهيم يريد الخروج إلى الزاب وأتى كتاب محمد بن مقاتل إلى سهل ابن حاجب يستخلفه إلى أن يقدم . فكتب صاحب البريد إلى الرشيد . فغضب وكتب إلى ابن العكى : « أما بعد ، فلم يكن آخر أمرك يشبه إلا أوله . فلأىّ مناقبك أوثرك على إبراهيم بولاية الثغر : ألفرارك وإقدامه أم لجزعك وصبره أم لخلافك
--> « 1 » صرح ابن الأثير 5 : 104 وابن خلدون 4 : 419 بأن أهل إفريقية هم الذين أغروا ابن الأغلب فجعلوه يكاتب الرشيد بأن يوليه البلد ، وتنازل له عن المعونة التي كانت مصر تقدمها للإفريقيين . « 2 » ر ، ص : مكانك .